عبد الملك الجويني

98

نهاية المطلب في دراية المذهب

750 - ومما نُجريه في ذلك قبل مجاوزة الفصل ، أن الفقهاء احتجوا بقول على قول بمسائل ، والمذهب فيها مضطرب : فمما استشهد به من نصر وجوبَ القضاء : فرض الخطأ في الوقت ؛ فمن اجتهد في وقت الصلاة ، وأخطأ وتيقن الخطأ ، فتفصيل المذهب فيه ، أن هذا إن وقع في التأخير ، فالوجه : القطع بإجزاء الصلاة ، وإن نوى الأداء فيها ، فتقوم نية الأداء مقام نية القضاء في ذلك ، وهذا يناظر الخطأ في شهر رمضان في حق المحبوس ، الذي التبس عليه عين الشهر ، فإذا صام باجتهاده شهراً ، فوقع بعد رمضان ، أجزأه . ولو تبين للذي اجتهد في وقت الصلاة أنه أوقع الصلاة قبل الوقت ، فإن تبين ذلك ووقت الصلاة باقٍ بعدُ ، تجب إعادة الصلاة في الوقت . وإن لم يتبين ذلك حتى انقضى الوقت ، فالذي قطع به الأصحاب وجوب القضاء . وكان شيخي يخرج ذلك على قولين ، كالقولين في نظير ذلك في صوم رمضان ؛ فإن المحبوس إذا صام بالاجتهاد ، ثم تبين له أنه كان صام شعبان مثلاً ، وقد انقضى صومُ رمضان ، ففي إجزاء ما جاء به قولان ، سيأتي ذكرهما في كتاب الصيام ، إن شاء الله تعالى ، فلا فرق إذن بين الصلاة والصوم ، في فرض الخطأ في الوقت . والذي أراه في ذلك أن الاجتهاد في الوقت إن كان ممن يتأتى منه الوصول إلى اليقين ، بأن يَلْبَث ويصبر ساعةً ، فإذا فرض الخطأ في التأخير ، لم يضر ذلك ، وإن فرض من هذا الشخص الخطأ في التقديم ، فالوجه القطع بوجوب القضاء ، فإن دَرَك اليقين إذا كان ممكناً ، فإن سوغنا الاجتهاد ، فيظهر فيه أن الاجتهاد يسوغ بشرط الإصابة . فأما إذا كان المرء محبوساً في موضع ، وكان لا يتأتى منه الوصول إلى دَرْك ( 1 ) اليقين ، فإذا فرض الخطأ في هذه الصورة ، فيظهر حينئذ أن يكون التفصيل فيه ، كالتفصيل في شهر رمضان ، كما تقدّم .

--> ( 1 ) " درك " : بسكون الراء وفتحها .